بسم الله، والصلاة والسلام على أشرف الخلق و بعد: إن موضوع الكهانة وادّعاء معرفة الغيب، من القضايا الخطيرة التي حذّر منها الإسلام، لما تحمله من تضليل للناس وفساد في العقيدة، هذه الموبقة التي يجري وراءها ضعاف النفوس، بل حتى المثقفون من المجتمع أصبح بعضهم يهرعون الى العرافين، لفضولهم في معرفة المستقبل، ناسين أو متناسين أن هذا من غيبيات الله عز و جل، في مقالنا نكتشف حقيقة الكهنة و لماذا يصيبون في القليل و يكذبون في الكثير والتحذير النبوي من كيدهم.
حقيقة الكهنة و ما جاء عنهم في القرآن و الحديث النبوي
قال الله جلّ علاه:
﴿ وإنّا لمسنا السماء فوجدناها مُلئت حرسا شديدا و شٌهبا و إنا كنا نقعدُ منها مقاعد للسمع فمن يستمع اِلاَن يجد له شهابا رّصدا﴾
( الآيتان 8 و9 من سورة الجن)
(و إنّا لمسنا السماء) يعني طلبنا خبرها. الآيتان فيهما تبيان لحقيقة الكهنة، و كيف تصلهم الأخبار من الجن التي تسترق السمع من السماء و تجد حرس السماء لها بالمرصاد فتقذفها بالشهب، فمُنِعت الجن من استراق السمع بعد بعثة النبي عليه الصلاة و السلام.
عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه و سلم: سأل ناس النبيَ صلى الله عليه و سلم عن الكهّان ؟ فقال لهم:
« ليسوا بشيء، فقالوا: يا رسول الله ! فإنهم يحدثون بالشيء يكون حقا، فقال النبي صلى الله عليه و سلم: تلك الكلمة (من الحق) يَخطفها الشيطان، فيُقرقِرها بأذني وَليّهِ كقرقرة الدجاجة، فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة»
(حديث صحيح، أخرجه الإمام البخاري رقم 6213 في كتاب الطب باب: الكهان، و مسلم برقم 2228 في كتاب السلام، باب: تحريم الكهانة وإتيان الكهان.)
من هو الكاهن و العرّاف؟
الكاهن:هو من يدّعي معرفة أخبار المستقبل، و معرفة أسرار العباد. و العرّاف; من يدعي و يفتري على الناس بمعرفة المسروقات، و مكان الضّالة التي يبحث عنها الناس، و هم من قال عنهم الرسول صلى الله عليه و سلم (ليسوا بشيء )، أي ليسوا على الحق.حقيقة الكهنة في ولائهم للجني
في الحديث النبوي السابق:(تلك الكلمة من الحق يَخطفها الشيطان , فيُقرقِرها بِأذني وَليّهِ كقرقرة الدجاجة). تظهر حقيقة الكهنة في اعتمادهم على الجن، التي تسرق السمع من السماء من الغيب النسبي الذي تعلمه الملائكة، و ليس الغيب المطلق الذي لا يعلمه إلا الله عز و جل، أي: أن الملائكة تنزل في العنان; و هو السحاب، فتذكر أمرا من غيب نسبي قُضيّ في السماء، فتسترق الشياطين السمع، فتسمع البعض منه و ليس كله، فتردّده في أذن الكاهن كقرقرة الدجاجة، و يزيدون عليها مائة كذبة لنشر الضلال و البغض و الفتنة بين الناس.
و الكاهن يجعل من الجني وليا له، ويطيعه فيما أمره مقابل ما يعطيه من أخبار، فيغويه و يجرّ به الى حبائل الشرك و الكفر. نسأل الله لهم المغفرة و الهداية. قال الله المولى عز و جلّ في شأنهم:
﴿ و أنه كان رجال من الانس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا﴾
(من سورة الجن الآية رقم 6)
و المعنى أنه رجال من الإنس، كانوا اذا نزلو في مكان مخيف، كوادٍ أو قفارٍ، يستعيذون بسادة الجن فيزيدونهم رهقا أي: خوفا و ذعرا و كفرا.
كيف تسرق الجن أخبار الناس
في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عباس، قال: أخبرني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم من الأنصار، أنهم بينما هم جلوسٌ ليلة مع رسول الله صلى الله عليه و سلم، رُمي بنجم فاستنار، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه و سلم:
«ما ذا كنتم تقولون في الجاهلية، إذا رُمي بمثل هذا ؟ .قالوا: الله و رسوله أعلم . كنا نقول وُلد الليلة رجل عظيم، و مات رجل عظيم. فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: فإنها لا يُرمى بها لموت أحد و لا لحياته، و لكن ربُّنا تبارك و تعالى اسمُه، إذا قضى أمرا سبّح حَمَلة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم، حتى يبلغَ التسبيح أهل هذه السماء الدنيا، ثم قال الذين يلون حملة العرش لحملَةَ العرش: ماذا قال ربّكم ؟ فيُخبرونهم ماذا قال. قال فيستخبرُ بعض أهل السماوات بعضا، حتى يبلغَ الخبر هذه السماء الدنيا، فتخطفُ الجن السمع فيقذفونه الى أوليائهم، و يرمون به، فما جاؤوا به على وجهه فهو حق، و لكنهم يقرفون فيه و يزيدون»
(حديث صحيح، أخرجه الإمام مسلم 2229، في كتاب السلام باب: تحريم الكهانة وإتيان الكهان، وأحمد في مسنده)
الحديث النبوي: فيه تبيان على الحقيقة من وراء قذف الشهب، على أنها خبر السماء الذي تحاول الجن إلتقاطه، و نفيا لمعتقدات الجاهلية آنذاك على أنها لموت أحد أو حياته.
يقرفون: أي يخلطون فيه الكذب، لأنه عندما يبلغ الخبر فيما قضى الله السماء الدنيا. يخطف الجني السمع، فيجد الشهب و ملائكة الرحمن له بالمرصاد تملأ السماء، فيسرق كلمةً واحدة و يقرفون على أوليائهم الكهنة من الانس، و يزيدون مائة كذبة للتضليل و زرع الفتن، هذه هي حقيقة الكهنة في معرفة أخبار الإنس.
استمع للشيخ عثمان الخميس في هذا الفيديو كيف تسرق الجن أخبار الناس:
للمزيد عن حقيقة الكهنة والتحذير منهم: موقع اسلام ويب
حكم طلب العلاج عند الكهنة و السحرة
العلاج عند السحرة، والكهنة لا يشرع لمؤمن يأمن بالله و بقضائه، فلا يجوز مجالستهم و تصديقهم فيما يفترون و يدعون من غيبيات ، فمن تجرأ على ذلك فلن تقبل صلاته أربعين يوما كما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم:
« من أتى عرافًا، فسأله عن شيء؛ لم تقبل له صلاة أربعين يومًا»
(حديث صحيح، أخرجه الإمام مسلم 2230، والإمام أحمد 16638)
فكل عراف أوكاهن يزعم معرفة الغيب والسحر، ويدّعي معرفة تفاصيل خفية كأسماء الأهل أو أحداث ماضية، وينسبها إلى أعمال سحرية لأشخاص معينين.لا يجب الذهاب إليهم أو سؤالهم، بل الواجب التحذير منهم وكشف أمرهم. والتبليغ عنهم الى الجهات المختصة كالمحاكم أو الجهات الأمنية، وعدم السكوت عنهم لردعهم ، لأن ذلك من باب التعاون على البر والتقوى، وحماية المجتمع من شرهم و كفرهم لما جاء في الحديث:
«من أتى كاهنًا، أو عرافًا، فصدقه بما يقول؛ فقد كفر بما أنزل على محمد»
( حديث صحيح، أخرجه أبو داود (3904)، والترمذي (135)، وابن ماجه (639)، وأحمد (9536)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب )
صلى الله عليه و سلم تسليما، اللهم اهدينا الى سبيل الرشاد يا رب، و نور قلوبنا بالهداية يا علّام الغيوب. و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.
للمزيد عن حقيقة الكهنة والتحذير منهم: موقع اسلام ويب
أنظر حكم الذهاب الى الكهنة و العرافين: موقع ابن باز رحمه الله.
