باسم الله الرحمن الرحيم، و الصلاة و السلام على أفضل خلق الله، و من والاه أما بعد: ها هو دعاء الاستخارة الصحيح بين يديك، فلا شك أنك عندما تقدم على عمل ما، أو تعزم على فعل شيء، لا تدري ما هو مقدر لك فيه من الخير، كإقدامك على عمل تستثمر فيه أموالك، أو أمر من أمور الدنيا، فما عليك إلا اللجوء إلى الله لاستخارته، متأسِّيا في ذلك بالنبي صلى الله عليه و سلم.
معنى دعاء الاستخارة
دعاء الاستخارة: معناه طلبُ تيسُّر الخير في الأمور كلها، و استخارَ الله أي; طلب منه الخير، و خارَ الله له أي; أعطاه ما هو خير.
يقول العلماء كما جاء في الفتح: الواجب و المستحب لا يُستخارُ في فعلهما، لأنك تأتي بفعلهما بإرادتك، و الحرام و المكروه لا يُستخار في تركهما، لأنك تبتعد عنهما طاعة بما أمرك الله، و مسلما تعبد الله سبحانه و تعالى، و بالتالي انحَصرَ الأمر في المباح و في المستحب. إذا وجد تعَارُض بين أمران; أيّهما يبدأ به و يُقتصَر عليه، و العبادات و صنع المعروف لا استخارة فيها و الله أعلم.
كيف تستخير الله عز و جل؟ طريقة الاستخارة الصحيحة
تبدأ بالنية، تصلي ركعتين نافلةً، ثم بعد التسليم، تدعو بدعاء الاستخارة، و يجوز المواظبة على دعاء الاستخارة لعدة مرات حتى ينشرح الصدر، و يهنأ الخاطر بالاستجابة لإحدى الأمرين، و هنا عليك بالتوكل على الله و المضي فيما أقدره الله لك. طبقا للحديث النبوي، عن جابر قال:« كان النبي صلى الله عليه و سلم يعلمنا الاستخارة في الأمور، كالسّورة من القرآن: إذا همَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين، ثم يقول : اللهم إني استخيرك بعلمك، واستقدرك بقدرتك، و أسألك من فضلك العظيم ، فإنك تقدر و لا أقدرُ، و تعلم و لا أعلم و أنت علاَّم الغيُوب. اللهم إِن كنتَ تعلمُ أنَّ هذا الأمر، خير لي في ديني و معاشي و عاقبة أمري، (أو قال : عاجل أمري و آجله) فاقدُره لي، وإِن كنتَ تعلمُ أنَّ هذا الأمر شرّ لي في ديني و معاشي و عاقبة أمري، (أو قال : عاجل أمري و آجله). فاصرِفه عني، و اصرِفني عنه، و اقدر لي الخير حيث كان ثم رَضِّني به» (و يُسمي حاجته التي يريدها )
(حديث صحيح، أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التهجد، رقم 1162. و أبو داود في سننه، في كتابه، باب صلاة الاستخارة رقم 1538. و الترمذي في سننه، كتاب الوتر، باب ما جاء في صلاة الاستخارة، رقم 480).
الحديث فيه تشبيه بليغ و وجههُ: عموم الحاجة في الأمور كلها إلى الاستخارة, كعموم الحاجة إلى القراءة في الصلاة. إذا عزم أحدكم لفعل أمر ما من أمور الخير, كزواج أو تجارة, فليركع ركعتين من غير الفريضة, ثم يبادر بدعاء الاستخارة.
شرح دعاء الاستخارة الصحيح كما ورد عن النبي
تقول في دعائك كما جاء في الحديث النبوي بهذا الترتيب:
- (اللهم إني أستخيرُك بعلمك). أي بعد الصلاة، أدعوك ربي أن تشرح صدري لخير الأمرين، لأنك تعلم بعلمك حقائق الأمور كلها، خيرها و شرها، مصداقا لقول الله عز و جل: ﴿و عسى أن تكرهوا شيئا و هو خير لكم و عسى أن تحبُوا شيئا و هو شرّ لكم و الله يعلم و أنتم لا تعلمون ﴾. (سورة البقرة الآية رقم 216)
- (و أستقدرُك بقدرتك). أي; أستعين بالله القدير أن تجعل لي قدرة على طلبي.
- (و أسألك من فضلك العظيم). أسألك من خيرك العظيم أن تمكنني من تعيين الخير.
- (فإنك تقدر و لا أقدر). أنت الله القادر، و أنا العبد الضعيف لا أقدر، إلا بقدرتك و حولك، و قوتك.
- (و تعلم و لا أعلم). أنت ربي العالم و المحيط بجميع الأمور، الخير و الشر، و أنا لا أعلم منها شيئا، إلا بإلهامك و إعلامك.
- (و أنت علاّم الغيوب). أنت ربي وحدك، من يعلم الغيب، تعلم السر و ما أخفى.
- (اللهم إِن كنتَ تعلمُ أنَّ هذا الأمر خير لي في ديني و معاشي). الأمر الذي هممتُ، و عزمتُ عليه، إن كان هو أصلَح لي في ديني أولا، و آخرا ، ثم في حياتي المعيشية.
- (و عاقبة أمري - أو قال: عاجل أمري و آجله -). في معادي، عاقبة الأمر و نهايته بالخير، و رضا الله.(فاقدُره لي).أيٍ; يسره لي، و كن ربي عونا لي في تحقيق أمنيتي.
- (وإِن كنتَ تعلمُ أنَّ هذا الأمر شرّ لي في ديني و معاشي، و عاقبة أمري - أو قال: عاجل أمري و آجله -). إن كان هذا الأمر فيه شرّ لي في ديني و معادي، (فاصرِفه عني و اصرِفني عنه). بمعنى: باعد بيني و بينه، ولا تجعله في مقدوري، و اصرف خاطري عنه، و الله أعلم بأحوالنا.
- (و اقدُر ليَ الخير حيث كان , ثم رضِّني به). أسألك أن تجعل لي الخير مقدورا لي حيث كان، و أن تجعلني راضيا سعيدا به، و لا أندم على طلبه منك، و لا على وقوعه، و حسن عاقبته. (و يسمي حاجته) تُسمي حاجتك، و بها تختم دعاء الاستخارة، و انتظر استجابة الدعاء من عند الله عز و جل.
الدعاء بما تشاء و التوكل على الله
ويجوز للداعي: أن يدعو بما يشاء متوكلا على الله عز و جل في ذلك، إذا كان لا يحفظ هذا الدعاء، كأن يقول: اللهم اكتب لي الخير فيما أنوي، اللهم يسر لي هذا الأمر، اللهم اشرح صدري في هذا الامتحان مثلا، و اجعلني من الناجحين إن كان فيه خيرًا لي في ديني و دنياي، اللهم وفقني لهذا الزواج، إن كانت هذه الزوجة صالحة لي، يدعو بما يأمل و يتمنى، رافعا يديه بعد التسليم من صلاته.
الأوقات المستحبة لاستجابة لدعاء الاستخارة
من أفضل الأوقات لاستجابة دعاء الاستخارة، و الدعاء عموما لتيسير أمور المسلمين، في الثلث الأخير من الليل. إنه أعظم وقت على الإطلاق، لأن الله عز وجل، ينزل فيه للسماء الدنيا من أجل الاستجابة لعباده. كذلك آخر ساعة من يوم الجمعة بين صلاة العصر و صلاة المغرب، و ما بين الأذان، و إقامة الصلاة، هذا وقت يُستحب فيه الدعاء بمشيئته سبحانه و تعالى.
فاللهم وفقنا للصواب و لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا و الحمد لله رب العالمين، و صلي اللهم و سلم و بارك على محمد و على آله و صحبه.
مصادري : باب الدعاء عند الاستخارة من كتاب شرح صحيح الأدب المفرد للإمام البخاري من تخريج العلامة محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله.
