الحمد لله رب العالمين، و صلي الله و سلم على سيدنا محمد وعلى آله أما بعد: في عصرنا اليوم كثرت الذنوب و المعاصي و الخطايا، و عمّ الفساد برا و بحرا و جوا، وقلّ الاستغفارو التوبة الى الله عز وجل، و كأن الحساب غير موجود بسبب الغفلة و كثرة الفتن، التي أحالت بين العبد و ربّه. موضوعنا اليوم عن سيد الاستغفار أدبه و فضله في العبادة.
ماذا تقول في سيد الاستغفار؟
عن شدَّاد بن أوس عن النبي صلى الله عليه و سلم قال:
«سيد الاستغفار أن يقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتنني و أنا عبدك، و أنا على عهدك و وعدك ما استطعت، و أعوذ بك من شرِّ ما صنعت، أبوء لك بنعمتك، و أبوء لك بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، من قالها من النهار موقنا بها، فمات من يومه قبل أن يمسي، فهو من أهل الجنة، و من قالها من الليل و هو موقن بها، فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة»
(حديث صحيح، أخرجه البخاري رقم 6306)
شرح و تدبُّر في معاني سيد الاستغفار
يقدم النبي عليه الصلاة و السلام لأمته في هذا الحديث أقوى الاستغفار وأعظمها منزلة عند الله تعالى، وأكثرها ثوابًا وأقربها للإستجابة والقبول. وسُمّي بسيد الاستغفار لأنه يشمل جميع معاني التوبة الحقَّة والرجوع إلى الله تعالى. و في قول المستغفر: «اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني» اعتراف صريح و بليغ بأن الله تعالى هو الربّ المتفرّد بالألوهية والخلق والتدبير. ثم إقرار العبد بعبوديته، وخضوعه لله تعالى بقوله: «وأنا عبدك»، وهذا يدل على كمال الخضوع والطاعة لله سبحانه.
ثم يصرح المؤمن: إلتزامه بالعهد الذي بينه وبين خالقه، قائلا: «وأنا على عهدك ووعدك» وهو الثبات على التوحيد و العبادة بما شرع الله لعباده، أي: ثابت على ما عاهدتُك عليه من الإيمان والطاعة، ومصدقٌ بوعدك الحقُّ لعبادك بأن تدخلهم جنتك، كما جاء في الحديث الصحيح:
«من مات ولم يشرك بالله شيئاً دخل الجنة».
(حديث صحيح، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أخرجه الإمام مسلم في صحيحه رقم 93 في كتاب الإيمان، و البخاري برقم 1180في كتاب الجنائز)
بيان العبد المستغفر لربه بأن التزامه بهذا العهد إنما هو مقيد بالاستطاعة و القدرة، فيقول: «ما استطعت». إظهار للضعف و الحاجة الماسَّة لعون الله و توفيقه.
ثم يلجأ المستغفرإلى الله طالبًا الحماية و النجاة، متعوذا من شرور ذنوبه وعواقبها، فيقول: «أعوذ بك من شر ما صنعت»، أي أعتصم بك وألتجئ إليك من شر ما ارتكبت من معاصي، لأن الذنوب قد تكون سببًا للعقاب يوم يقوم الحساب.
ثم يعترف العبد بعد ذلك بنعم الله عليه وبتقصيره في حقه، فيقول: «أبوء لك بنعمتك»، أي: أعترف بفضلك وإحسانك لي بخيرك من النعم، ثم يقول: «وأبوء بذنبي»، أي: أعترف لك بأوزاري وتقصيري، بسبب ضعف لنفسي و اتباع الهوى، طالبًا المغفرة و الصفح بقوله: «فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت». وفي ذلك إقرار بأن المغفرة بيد الله الغفور الرحيم.
يبشرالنبي صلى الله عليه وسلم أمَّته، بمن واظب بذكر سيد الاستغفار، آناء الليل و أطراف النهار، فيقول: «من قاله في النهار مؤمناً به فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قاله في الليل مؤمناً به، فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة». أي موقنًا ومصدقًا، و واثقا بما فيه، أنه يُرجى له دخول الجنة بإذن الله دون أن يسبقه عذاب.
الاستغفار مئة مرة
الاستغفار مئة مرة كل يوم، كما كان يستغفر سيد الخلق عليه الصلاة و السلام، فعن عبد الله ابن عمررضي الله عنهما قال:
«إن كنَّا لنعُدُّ في المجلس للنبي صلى الله عليه و سلم: ربي اغفر لي، و تب عليّ، إنك أنت التوَّاب الرحيم مئة مرَّة»
(حديث صحيح، أخرجه أبو داود رقم 1516، و الترمذي رقم 3434، و ابن ماجه 3814، والإمام أحمد 4726، وصححه الألباني في: صحيح الجامع 3486، وسلسلة الأحاديث الصحيحة 556)
حديث النبي في الحث والترغيب في مداومة الاستغفار، الذي كان يستغفر ربه كل يوم، بكل تواضع و شكور، وهو النبي الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وتأخر. و لنا فيه أسوة حسنة.
وفي حديث آخرعن استحباب الاستغفار و الإكثار منه، عن ابن عمر سمعت النبي صلى الله عليه و سلم يقول:
«توبوا الى الله، فإني أتوب إليه كل يوم مئة مرة»
(حديث صحيح، أخرجه الإمام مسلم برقم 2702 و النسائي في الكبرى، والبخاري في الأدب المفرد)«توبوا الى الله، فإني أتوب إليه كل يوم مئة مرة»
وعن عائشة رضي الله عنها قالت:
« صلَّى رسول الله صلى الله عليه و سلم الضُّحى، ثم قال: اللهم اغفر لي، و تب عليَّ، إنك أنت التواب الرحيم. حتى قالها مئة مرة»
(حديث صحيح، أخرجه البخاري في كتابه الأدب المفرد، وصححه الألباني)
كل هذه الأحاديث; تبين هدي حبيبنا و شفيعنا صلى الله عليه و سلم في سيد الاستغفار، كان يستغفر مئة مرة كل يوم، و قالها بعد صلاة الضحى مئة مرة، فاحرص صديقي المسلم بالاقتداء بسنته.
آداب سيد الاستغفار
من آداب سيد الاستغفارفي مجالس الذكر، أن يكون أولا، ثم التضرع بالدعاء ثانيا، تأسيًا بهدي الرسول صلى الله عليه و سلم في كما في الأحاديث التي ذكرنا، فجلها تحتوي على جميع أنواع التوبة، و تجتمع على توحيد الربوبية و الألوهية.
إظهار المستغفر لضعفه و خضوعه أمام خالقه الجبَّار، و استسلامه له، والتيقن بيوم الحشر و الحساب، و لقاء الله سبحانه و تعالى و وعده بأننا نموت و لا نشرك به شيئا، فحقُّ الله عز وجل أن يُعبد و لا يُشرك به شيئا، و حق عباده عليه أن لا يعذبهم و يدخلهم الجنة رحمة من عنده، و التعوذ بالله مما نصنع من الذنوب، و من العجز و التقصير في عبادته، و الاعتراف و الإقراربنعمة الله علينا، و الدعاء بالمغفرة و الهداية من عنده لأن الله يتقبل الطاعات و يعفو و يصفح.
فضل سيد الاستغفار
كلُّ بني آدم خطاؤون و خير الخطَّائين التوابون، و حسن الظنِّ بالله جلا و علا بالتوبة إليه، و بذكره و الاستغفار إليه والندم على المعاصي, و النية الخالصة بعدم العودة الى ارتكاب الذنوب. فالله لطيف بعباده و رؤوف رحيم يغفر الذنوب.
عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :
﴿يقول الله تعالى: أنأ عند ظنِّ عبدي بي و أنا معه إذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي و إن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم وإن تقرب الي شبرا تقربت اليه ذراعا و إن تقرب الي ذراعا تقربت اليه باعا و إن أتاني يمشي أتيته هرولة﴾
(حديث قدسي صحيح، أخرجه البخاري رقم 7405، ومسلم رقم 2675، و أحمد في مسنده 16979 بألفاظ متقاربة، وابن حبان 1643)
ما أعظم هذا الحديث القدسي! من تدبر في معانيه وأدرك فوائده، لن ينتهي عن الذكر و الاستغفار، فيه اليقين بأن الله رحيم، واسع الرحمة بعباده المستغفرين، وحسن الظن بهم، و قرب الله لعبده، و جزائه بخير الجزاء على عمله الصالح بمضاعفة الأجرو الثواب.
تنفيس الكرب وانشراح الصدر، و طرد للوساوس و الهموم، و الإحساس بالراحة والطمأنينة في العبادة. والنجاة من عقاب الله عز وجل و الدخول في رحمته و زمرة عباده الصالحين، وضمان دعاء الملائكة للتائبين المستغفرين.
المداومة على الاستغفار دبر كل صلاة، تكون سببا في جلب الرزق و الخيرات على البلاد و العباد. مصداقا لقول الله عز و جل:
﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾
(سورة نوح الآية رقم 10)
صدق الله العظيم, فاللهم اغفر لنا خطايانا جميعا و اجعلنا من المستغفرين التائبين و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.
مصادر قد تفيدك حول سيد الاستغفار في : موقع موضوع
