حين يهدأ الليل وتغفو العيون، ويقترب ثلث الليل الأخير، يقوم العبد من نومه تاركًا راحته، واقفًا بين يدي ربه بقلبٍ حاضر، ودعاءٍ صادق، يرجو المغفرة والرحمة و التقرب اليه. إنه دعاء التهجُّد، بثلث الليل الأخير، أفضل الأدعية استجابةً، ذلك الوقت الجليل الذي اختصَّه الله بنزول جلاله ليستجيب لعباده الدعاة. في هذا السكون المبارك المقدس، تتنزل فيه الرحمات وتُفتح فيه أبواب القبول. في هذا المقال نتعرف على فضل دعاء التهجُّد، وسر اقترانه بجوف الليل الأخير، وكيف نغتنم هذا الوقت المبارك في الدعاء حسب ما ورد في الحديث النبوي الشريف.
دعاء التهجُّد في الحديث النبوي
يكون العبد أقرب ما يكون من ربه، في وقت الثلث الأخير. لذلك كان النبي عليه الصلاة و السلام يحرص على قيام الصلاة، و الدعاء في هذا الوقت الشريف، لما فيه من طمأنينة للقلب ونور للمؤمن في حياته الدنيا و في آخرته يوم يلقى الله. و ما نقوله في دعاء التهجد، هو ما كان يدعو به الحبيب المصطفى صلى الله عليه و سلم.
كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا قام الى صلاة من جوف الليل، يدعو بدعاء التهجد قائلا:
«اللهم لك الحمد، أنت نور السماوات و الأرض و من فيهنّ، و لك الحمد، أنت قياّم السماوات و الأرض، و لك الحمد أنت رب السماوات و ألأرض و من فيهنّ، أنت الحقّ، و وعدك الحق، و لقاؤك الحق، و الجنة حق، و النار حق، و الساعة حق، اللهم لك أسلمت، و بك آمنت، و عليك توكلت، و إليك أنبتُ، و بك خاصمتُ، و إليك حاكمتُ، فاغفر لي ما قدّمت و أخّرتُ، و أسررتُ و أعلنتُ، أنت إلهي لا إله إلا أنت»
(أخرجه البخاري 7499، ومسلم 769، باختلاف يسير، الراوي: عبدالله بن عباس رضي الله عنهما.)
شرح دعاء التهجُّد بالتفصيل
- (اللهم لك الحمد، أنت نور السماوات و الأرض و من فيهنّ). أي; أنت يا ربي مُنوّر السماوات و الأرض، و مُظهرهما و خالق نورهما، بك استضاء الكون كله و سَطع، و خرج من الظلام إلى النور، و نور الله واسع الإشراق، و ثاقبٌ في الإضاءة. يبدأ النبي عليه الصلاة و السلام، بالثناء على الله بتحميده و ذكر صفاته العلا.
- (و لك الحمد، أنت قياّم السماوات و الأرض، و لك الحمد أنت رب السماوات و ألأرض و من فيهنّ): أنت ربي - ولا إله غيرك - القائم بأمور الخلق، و مدبّر الكون في جميع شؤونه و أحواله.
- (أنت الحقّ، ووعدك الحق، و لقاؤك الحق): أنت على عهدك و وعدك الحقّ في جَزاء عبادك في الإنعام و الانتقام. ولقاؤك يوم القيامة بعد الممات قائم لا مفر منه.
- (و الجنة حق، و النار حق، و الساعة حق): الجنة و النار هي; جزاء الله لعباده مقابل أعمالهم، فالجنة موجودة حقا و النار موجودة حقا، لا شك في ذلك، و الساعة حق أي; يوم القيامة الموعود و فيها الحساب، و الميزان، و الصراط.
- (اللهم لك أسلمت، و بك آمنت): أسلمتُ لك ربي، و بك آمنتُ، و بكتبك ورسلك، مصدقا و ملتزما بما جئت، و أنا على دين الإسلام، و على هدي نبيك محمد صلى الله عليه و سلم.
- (و عليك توكلت، و إليك أنبتُ). أعتمدُ عليك يا ربي في كل شيء، أمري بين يديك، و ماضٍ فيَّ حكمك، و أُفوِّضك شأني في جميع أحوالي.
- (و بك خاصمتُ، و إليك حاكمتُ) أي: بك أُخاصم أعداءك, ومن كفر بك بما ألهمتني من القوة و الحجة الدامغة، و أنت الحاكم يا الله بيني و بين كل من جحد الحق.
- (فاغفر لي ما قدّمت و أخّرتُ، و أسررتُ و أعلنتُ). اغفر لي قبل هذا الوقت و بعده، و ما أخفيتُ و أظهرتُ، أو حدّثتُ به نفسي، و ما تحرك به لساني من قول.
- (أنت إلهي، لا إله إلا أنت) أنت ربي أقرُّ و أشهد بوحدانيتك، لا شريك لك، و لا معبود سواك.
نزول الله عز و جل كل ليلة
عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال:
« ينزل ربنا تبارك و تعالى في كل ليلة إلى السماء الدنيا , حين يبقى ثُلث الليل الآخِر , فيقول : من يدعوني فأستجيب له ؟ من يسألني فأعطيه ؟ من يستغفرني فأغفر له»
(حديث صحيح متفق عليه، عن أبي هريرة رضي الله عنه أخرجه البخاري 1145، في كتاب التهجد، باب: الدعاء في الصلاة، ومسلم 758، و أبو داود 1315، والترمذي 446، والنسائي 10310، و أحمد في مسنده 7792)
يقول العلماء في تفسير الحديث: هذا وقت شريف، ينزل فيه الربّ جلا و علا، يتكرّم فيه على عباده بإجابة الدعاء، وإعطائهم ما يسألونه و يغفر لمن يستغفره، وهو وقت الاستغراق في النوم لأهل السبات و الكسل، و الرفاهية و المجون لأهل الملذات، و وقت غفلة و خلوة، فلذلك نبه الله عباده بأهمية هذا الوقت المقدس للتهجد في الصلاة ثم الدعاء، طلبا من المولى عز وجل المغفرة من الذنوب و الهداية.
و نزول الله عز و جل على الوجه الذي يليق بجلاله، من غير تكييف و لا تمثيل، ولا تعطيل كما قال جمهور السلف، أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال -ينزل - و لم يقل كيف ينزل، و الله ليس كمثله شيء و هو السميع البصير.
فضل دعاء التهجُّد
فائدة دعاء التهجُّد عظيمة، لا حصر لها على من آثر القيام لمناجاة ربه، و التضرع إليه، و رغبته في الفوز بما حضّره الله له في هذا الوقت من النعم، و إجابة الدعاء و المغفرة من الذنوب.
عدد ركعات صلاة التهجد
عدد ركعات صلاة التهجد، إحدى عشر، أو ثلاثة عشر، يُسلِّم عند كل ركعتين، هذا في السنة النبوية، و جمهور العلماء، كالإمام ابن باز رحمه الله، و إن زيد على ذلك، فلا حرج لقول النبي صلى الله عليه و سلم:
« صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي الصبح؛ صلى ركعة واحدة، توتر له ما قد صلى»
(حديث صحيح متفق عليه، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أخرجه البخاري رقم 990، ومسلم رقم 749)
لم يرد في الحديث النبوي عددا محددا في ركعاتها، بل يختم بما صلى بركعة واحدة وترا.
التَّأَسِّي بالنبي في دعاء التهُّجد
لقد غفر الله لنبيه الكريم ما تقدم من ذنبه و ما تأخر، و هو المعصوم صلى الله عليه و سلم، و مع ذلك كان مواظبا على قيام الليل متهجِّدا، و ملتزما بالدعاء في عبادته لربه، يسأله الغفران، إجلالا و تعظيما له في كل زمان و مكان، ليكون نبي الله عبدا شَكورا، و معلما لأمته، و تكون لنا فيه أسوة حسنة.
