استقبال شهر رمضان المبارك في الشريعة الإسلامية

prepare-ramadan-islam
بسم الله، و الصلاة و السلام على رسول الله أما بعد: صوم شهر رمضان من أركان الإسلام، و هو فرض عين على كل مسلم بالغ، عاقل، قادرو مقيم، وهو موسم عبادة ونفحة ربانية يتجدد فيها الإيمان، وتصفو فيها الأرواح، فهو فرصة للعباد للعودة إلى الله، والتزود بالتقوى، والمغفرة والعتق من النيران، حيث تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق أبواب النار، وتصفد الشياطين، ليكون جوا مشحونا بالعبادة والخشوع، فكيف نستقبل شهر رمضان في الشريعة الإسلامية؟

كيف نستقبل شهر رمضان في الإسلام؟

بعد حمدنا لله عز و جل على تبليغنا شهر رمضان، شهر الرحمة و التوبة و الغفران، وجب الاستعداد و الإقدام على الاستقبال، هل بادخار أصناف المأكولات، و أنواع العصائر بالثلاجات؟ أم بشدِّ المأزر، بالصلاة و القيّام، و فعل الخيرات، و إفطار الصائمين، و التنافس لنيل الأجر و الثواب كما قال الله عز و جل:
 ﴿و في ذلك فليتنافس المتنافسون﴾
(سورة المطففين الآية رقم 26)

تحري هلال شهر رمضان

تحري شهر رمضان، يكون برؤية الهلال، أو إكمال عدّة شعبان ثلاثين يوما، كما جاء في الحديث: عن ابن عمر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه و سلم قال:
«لا تصوموا حتى تروا الهلال و لا تفطروا حتى تروه فإن أغمي عليكم فاقدروا له»
(حديث صحيح، أخرجه البخاري في كتاب الصوم، و مسلم في كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان)

في سنة نبينا صلى الله عليه و سلم، عند ثبوت رؤية الهلال، نستقبل القبلة، وندعو بهذا الدعاء و نحن مسرورين مبتهجين، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا رأى الهلال قال:
«اللهم أهلَّه علينا بالأمن و الإيمان، و السلامة و الإسلام، والتوفيق لما تحب و ترضى ،ربنا و ربك الله»
(أخرجه الإمام الترمذي والدارمي،، وابن حبان. وصححه الألباني لغيره (في الكلم الطيب))
في هذا الدعاء النبوي، طلب للأمن و السلامة، و التوفيق من الله عز و جل، و تنزيه الخالق بالوحدانية و الربوبية. 

إننا نستقبل أفضل الشهور, شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن. فيه تتضاعف الحسنات و تمحى فيه السيئات, أوله رحمة, و أوسطه مغفرة, و أخره عتق من نار, جعل الله الصيام فيه فريضة مصداقا لقوله سبحانه و تعالى:
﴿يا أيها الذين أمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾
(سورة البقرة الآية رقم 183)
و قال أيضا جل جلاله:
﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس و بينات من الهدى و الفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾
(سورة البقرة الآية رقم 185)

قيام ليالي شهر رمضان

نستقبل رمضان بقيام لياليه تطوعا; فمن صام إيمانا، و احتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه، و من منَّ الله عليه بعمرة، كان كمن أتى بحجة، و فيه تفتح أبواب الجنة و تغلق أبواب النار، و تغلّ الشياطين.

نستقبل رمضان بالحمد و الشكر لله عز و جل، على بلوغنا لشهر الرحمة - فاللهم بلغنا شهر رمضان- فكم من صديق حميم أو قريب، كان يقيم ليالي رمضان الى جانبنا، و يعتكف في المسجد معنا في صف واحد، واليوم هو غائب عنا تحت التراب ينتظر دعوة صالحة منا، و نحن المُدركون لشهر الصيام!

نحن بحق سعداء بقدوم رمضان، ثبت عن رسول الله صلى الله عليه و سلم، أنه كان يبشر أصحابه بمجيء شهر رمضان فيقول:
«جاءكم شهر رمضان، شهر رمضان شهر مبارك، كتب الله عليكم صيامه، فيه تفتح أبواب الجنان، و تغلق فيه أبواب الجحيم»
(أخرجه البخاري برقم 3277، ومسلم 1079، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. و الإمام أحمد في مسنده، والنسائي برقم 2105 في سننه من حديث عتبة بن فرقد رضي الله عنه بلفظ آخر)

و فيه أُنزل القرآن قال الله عز و جل: 
﴿ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس و بينات من الهدى و الفرقان﴾
سورة البقرة الآية 185

ترك المنكرات و فعل الخيرات في رمضان

نستقبل شهر رمضان بترك المنكرات، و الابتعاد عن الملاهي، و كل ما يشغل عن ذكر الله، و التفرغ لملء الوقت بقراءة القرآن، و التذاكر فيما بيننا لأحكام الصيام و فرائضه، و مستحباته، و التقرب الى الله بالأعمال الصالحة.

 التصدق على الفقراء، و الدعوة الى الله عز و جل بالوعظ، و الدعاء بالهداية لجميع إخواننا المؤمنين. و إعلان التوبة النصوح لمن لم يتب، على أن تكون أيها الصائم، فردا صالحا للمجتمع و تنفع الناس. قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: 
« خير الناس أنفعهم للناس»
( قال الألباني حديث حسن رقم: 3289 في صحيح الجامع، و راوي الحديث: جابر بن عبد الله رضي الله عنه)

في الفيديو التالي: يشرح لنا الشيخ محمد صالح المنجد -حفظه الله- كيف نتهيأ، و نستثمر في شهر رمضان، تابعوا و في الموضوع بقية.

الإخلاص في الصيام لله وحده

الله هو المعبود، و لا نعبد سواه، و لا نصوم إلا لله وحده، و جزاء الصيام هو عند الله، يجزي به عباده الصائمين. قال عليه الصلاة و السلام: 
«كل عمل ابن آدم يُضاعف، الحسنة عشر أمثالها، الى سبعمائة ضعف، قال الله عز و جل: إلا الصوم فإنه لي و أنا أجزي به  يدع شهوته و طعامه من أجلي , للصائم فرحتان : فرحة عند فطره، و فرحة عند لقاء ربه، و لخلوف فيه أطيب عند الله من ريح المسك»
(هذا حديث قدسي صحيح، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أخرجه الإمام البخاري رقم 1761 و مسلم 1946)
  و خلوف فيه أي: رائحة فم الصائم هي عند الله أطيب من المسك.

و المعنى: أن الله اختصَّ الصيام لنفسه عن بقية الأعمال، و خصّه بمضاعفة الحسنات، وأن الإخلاص في صيام شهر رمضان، أعمق و أجل من غيره من الأعمال الصالحة الأخرى، و هو سبحانه و تعالى وحده الذي يتولّى مكافأة الصائم الذي يسعد في دنياه و آخرته.

و في جميع العبادات، يجب الحرص على صلاة الجماعة، و صلاة الفجر، و قيام الليل، كصلاة التراويح بالمساجد، و التهجُّد تأسيا بالنبي عليه الصلاة و السلام.

الأعمال المستحة في شهر رمضان

التسامح و الصفح، في شهر رمضان مع عامة الناس. احرص على ذلك -يرحمك الله- يجب ألا تكون بينك و بين أي مسلم شحناء، و اعلم أن إصلاح ذات البين; من أعظم الأعمال التي يحبها الله عز و جل، و تزيد بها تقربا اليه.

مدارسة القرآن، و السعي وراء فعل الخيرات، من جود و كرم، و صدقات، عن ابن عباس - رضي الله عنهما- 
«كان رسول الله صلى الله عليه و سلم: أجود الناس, و كان أجود ما يكون في رمضان, حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن, و لقد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم; أجود بالخير من الريح المرسلة»
(حديث صحيح، أخرجه  البخاري برقم 6 و1902، ومسلم برقم 2308)

البحث عن الصائمين المحتاجين من الفقراء، و عابري السبيل لإفطارهم، و هذه من اعظم الأعمال الجليلة في رمضان، لما فيها من إدخال الفرحة الى قلوب الصائمين، تأسيا برسول الله عليه الصلاة و السلام الذي كان أكثر الناس سخاءً وكرماً، وبلغ في سخائه الذروة القصوى في شهر رمضان المبارك، خاصة عندما يلتقي بجبريل عليه السلام ليتدارس معه القرآن، إذ كان أكثر كرما في الخير والإحسان من الريح التي تجلب المطر.

أجر صيام شهر رمضان

مضاعفة الحسنات، و أجر الصيام يشفع للعبد يوم القيامة، كما يشفع القرآن، و ينجيه من النار. لقول النبي عليه الصلاة و السلام:
«الصيام و القرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي ربِّ منعته الطعام و الشهوات بالنهار فشَفِّعني فيه، و يقول القرآن: منعته النوم بالليل فشَفِّعني فيه، قال : فيشفعان»
(حديث صحيح، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أخرجه الإمام أحمد في مسنده، والطبراني في المعجم الكبير، وابن المبارك في الزهد، والحاكم في المستدرك، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب)

و قال أيضا صلى الله عليه و سلم في أجر صيام شهر رمضان:
 «الصيام جُنَّة، و حصنٌ حصينٌ من النار»
(أخرجه أحمد في مسنده، من حديث ابي هريرة، و حسنه الهيثمي في مجمع الزوائد، و الألباني في صحيح الجامع 3880).
استجابة دعاء الصائم، فعليكم بالدعاء في شهر رمضان خاصة عند الإفطار.

واختصَّ الله عباده الصائمين، بدخولهم من باب من أبواب الجنة، يدخلون منه دون غيرهم. فعن سهل بن سعد رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه و سلم:
«إن في الجنة بابا يقال له الرَّيَّان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحدٌ غيرهم، يُقال: أين الصائمون ؟ فيقومون، لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أُغلق، فلم يدخل منه أحدٌ»
(حديث صحيح، عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه، أخرجه  البخاري برقم 1896، في كتاب الصوم: باب الريان للصائمين، و مسلم برقم رقم 1152، في كتاب الصيام: باب فضل الصيام)

فوائد صيام شهر رمضان

منَّ الله على الصائمين في شهر رمضان بفوائد جليلة صحية و روحية، كثيرة لا تحصى، أولها:
  •  تطهير النفوس و تهذيبها، و كبح جموح النفس الأمارة بالسوء، و ترقية القيم و الأخلاق، و روح الـتآزر، و التآخي بين فئات المجتمع.
  • قدرة التحمل و الصبر على الجوع و العطش، و التغلب على الشيطان الرجيم، بتضييق مجاري الطعام و الشراب، فكلما نقص الأكل ضعفت الشهوة، و كلما ضعفت الشهوة قلّت المعاصي. 
  •  رقة القلب، و ترطيب اللسان بالذكر, و إنارة طرق الطاعات للمسلم الصائم، و الفوز بتقوى الله، و الإحساس بالفقراء و المحتاجين بمعاناتهم اليومية للحصول على القوت.
  •  يتفق جل العلماء و الأطباء المشهورين، على أن الصيام ظاهرة حيوية فطرية، و وظيفة هامة من وظائف الحياة السوية للإنسان، لبقاء الجسم في صحة و نشاط دائمين.
  •  التخلص من تلك السمنة الزائدة، فجل علماء الصحة يتفقون على فضل الصيام في فقدان الوزن، و تعزيز جدار جهاز المناعة، لأن الصوم يعمل على التخلص من الخلايا المناعيّة القديمة، و تعويضها بخلايا مناعيّة جديدة، و خفض نسبة الكوليسترول، و السموم المتراكمة في الجسم من الأغذية.
  • تحسين وظائف الهضم، و عملية الامتصاص في أمعاء الانسان، تنشيط الخلايا و الأنسجة في جسم الانسان، إزالة الخلايا التالفة، و الوقاية من الأمراض الجلدية، لأن الصوم يقلل نسبة الماء في الدم و بالتالي; تنقص نسبته في الجلد، فتتطور مناعة الجلد لتقاوم الميكروبات، و الأمراض الجرثومية.

 أحكام و آداب صيام شهر رمضان

من آداب الصيام في شهر رمضان; مراعاة الشرع بما جاء في القرآن الكريم، و باتباع سنة النبي المصطفى صلى الله عليه و سلم تأسيا به، فعلى الصائم أداء أحكام الصيام كاملة، و المحافظة عليها لتمام الصيام من هذه الأحكام:

الدعاء عند رؤية الهلال بابتهاج و سرور، و حضور النية الخالصة، و أن يصومه في وقته المحدد شرعا، فلا يتقدم عليه و لا يتأخر عنه , قال عليه الصلاة و السلام :
«لا تصوموا حتى تروا الهلال , و لا تفطروا حتى تروه»
(حديث صحيح، عن ابن عمر رضي الله عنهما، أخرجه البخاري 1906 ومسلم 1080)

 و في قوله أيضا :
«إذا رأيتم الهلال فصوموا ، و إذا رأيتموه فأفطروا»
(حديث صحيح متفق عليه، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ، أخرجه  البخاري برقم 1906، ومسلم برقم 1080، بلفظ:«لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له)

قال صلى الله عليه و سلم :
«تسحروا، فإن في السحور بركة»
(حديث صحيح، عن أنس بن مالك رضي الله، أخرجه البخاري في كتاب الصوم: باب بركة السحور من غير إيجاب، ومسلم في كتاب الصيام: باب استحباب السحور)

 و قال عليه الصلاة و السلام :
«البركة في ثلاثة: في الجماعة، و الثَّريد، و السّحور»
 (أخرجه الطبراني في الكبير رقم 251/6، و البيهقي في شعب الإيمان برقم 68/6، من حديث سلمان رضي الله عنه , والحديث حسنه الألباني في السلسلة الصحيحة رقم 36/3).

و في قوله صلى الله عليه و سلم:
«إن الله و ملائكته يصلون على المتسحرين»
(الحديث عن أبي سعيد الخدري, أخرجه أحمد في مسنده رقم 11139 والمعجم الأوسط للطبراني 6/ 287، وصحيح ابن حبان)

السحور في شهر رمضان

يجب على كل صائم; أن يراعي وقت السحور في شهر رمضان، و يداوم عليه، و يُستحب تأخيره لأن فيه بركة، و الملائكة تصلي على المتسحرين فهو; عبادة لا يحق لنا التفريط فيها، و جعله النبي صلى الله عليه و سلم عبادة نتميّز بها عن الأمم الأخرى، قائلا عليه أفضل الصلاة و السلام:
«فصلُ ما بين صيامنا و صيام أهل الكتاب أكلَةُ السَّحر»
(حديث صحيح، عن عمرو بن العاص رضي الله عنه، أخرجه مسلم في صحيحه 1096، وأبو داود 2343، والنسائي 2166، وابن حبان 3477)

و أحسن السحور; يكون على التمر، و إن لم يجد، فعلى جرعة ماء، مصداقا لقوله عليه الصلاة و السلام :
«تسحروا و لو بجرعة ماء»
(أخرجه ابن حبان في صحيحه)

تأخير السحور و تعجيل الإفطار

يكون قت السحور قبيل الفجر، و ينتهي حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، و إذا سمع النداء و الإناء على يده، أو كان يأكل، فله أن يتم طعامه، لما جاء عن النبي صلى الله عليه و سلم إذ يقول:
«إذا سمع أحدكم النداء و الإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه»
( أخرجه أحمد و أبو داود في الصيام ، و الحديث صححه الألباني في السلسلة الصحيح 381/3)

الرخصة الواردة في الحديث واضحة، يستحب تأخير السحور، و تعجيل الفطور في شهر رمضان، يقول النبي صلى الله عليه و سلم: «إنا معشر الأنبياء أٌمرنا أن نعجل إفطارنا، و نؤخر سحورنا، و نضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة»
(أخرجه ابن حبان 67/5، و البيهقي في السنن الكبرى 238/4، من حديث ابن عباس، و صححه الألباني في صحيح الجامع 2286).

و كان وقت انتهاء النبي صلى الله عليه و سلم من سحوره، و دخوله لصلاة الفجر; قدر خمسين آية متوسطة، فعن أنس عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال :
« تسحرنا مع النبي صلى الله عليه و سلم، ثم قام الى الصلاة، قلت : كم كان بين الأذان و السحور ؟ قال : قدر خمسين آية»
(حديث صحيح، عن أنس بن مالك عن زيد بن ثابت رضي الله عنهما، أخرجه الإمام البخاري رقم 576، و577، في كتاب الصوم، باب: تأخير السحور. ومسلم رقم 1097، في كتاب الصيام، باب: فضل السحور)

هذا ما كان عليه نهج الصحابة -رضوان الله عليهم- تأخير السحور، و تعجيل الفطور، عن عمرو بن ميمون الأوديِّ قال:
«كان أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم أسرعُ الناس إفطارا و أبطأهم سحورا»
(أخرجه الإمام عبد الرزاق الصنعاني في: مصنفه برقم 7343 وإسناده صحيح)

هذه هي; سنة نبينا عليه الصلاة و السلام معشر الصائمين، و هذه فرصتنا، و نحن نستقبل شهر رمضان المبارك، في إحياء سنة النبي و الظفر بالخير، و الدوام عليه.

تعجيل الفطر في شهر رمضان

لقد وردت عدة أحاديث نبوية كلها تحث على تعجيل الفطر في رمضان المبارك:
قال رسول الله  صلى الله عليه و سلم:
«لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفِطرَ»
(حديث صحيح، عن  سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه، أخرجه البخاري 1957، ومسلم 1098)

و قوله أيضا عليه الصلاة و السلام: 
« لا تزال أمتي على سنتي ما لم تنتظر بفطرها النجوم»
(حديث صحيح، عن سهل بن سعد وأبي أيوب الأنصاري، أخرجه أبو داود 418، وأحمد 23534، وابن خزيمة 339، والحاكم 685)

و قال أيضا صلى الله عليه و سلم: 
«لا يزال الدّين ظاهرا ما عجل الناس الفطر، لأن اليهود و النصارى يؤخرون»
(حديث صحيح، عن أبي هريرة رضي الله عنه، رواه أحمد برقم: 9810، وأبو داود برقم: 2353) 

واجب أيضا تقديم الفطر على صلاة المغرب، لقول أنس بن مالك رضي الله عنه:
«ما رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم قطّ صلى صلاة المغرب حتى يفطر و لو على شربة من ماء»
(أخرجه البزار في مسنده 7127، وأبو يعلى 3792، والعقيلي في «الضعفاء الكبير» رقم 3/472، وابن الأعرابي في «معجمه» رقم 2233. ، و في  حديث الترمذي: «كَانَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه و سلم يُفْطِرُ عَلَى رُطَباتٍ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ»)

دعاء الصائم عند الإفطار, لقوله عليه الصلاة و السلام : 
« ذهب الظمأ و ابتلت العروق , و ثبت الأجر إن شاء الله»
(حديث حسن، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أخرجه أبو داود رقم 2357، والدار قطني 2/202، و حسنه الألباني في صحيح أبي داود 2357)  و يسن أن ندعو به بعد الإفطار.

قيام شهر رمضان

 كان النبي عليه الصلاة و السلام، في شهر رمضان يكثر من أنواع العبادات، و أفعال الخير و قراءة القرآن، و يطيل قيام رمضان أكثر مما يطيله في غيره، و يتصدق بالعطايا، و يحسن للفقراء، و يجتهد في العشر الأواخر، اعتكافا و قياما، و قراءة، و ذكرا, ما لا يجتهد في غيره، ففي الحديث :
 «إذا دخل العشر شدّ مئزره و أحيا ليله, و أيقظ أهله»
( حديث صحيح، عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أخرجه البخاري 2024 ومسلم 1174)

العمرة في شهر رمضان

العمرة في رمضان لها ثواب عظيم، تعادل أجر حجة، إذ يقول عليه الصلاة و السلام، لعائشة رضي الله عنها:
« فإذا جاء رمضان فاعتمري , فإن عمرةً فيه تعدل حجة»
(حديث صحيح، عن ابن عباس رضي الله عنهما، أخرجه  البخاري رقم 1863، ومسلم رقم 1256)
و الصلاة في مسجد مكة و المدينة قائلا عليه الصلاة و السلام : 
«صلاةٌ في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام»
(حديث صحيح، أخرجه البخاري، برقم 1190، ومسلم رقم 1394، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه)
العمرة لمن استطاع اليها سبيلا من الصائمين، فإذا كنت تتوفر فيك الاستطاعة، من المال و القدرة، فعليك بها أيها الصائم لتعزيز رصيدك من الأجر و الثواب.

بماذا يلتزم الصائم في شهر رمضان؟

على الصائم أن يلتزم بما يلي:
  • كف الجوارح عن جميع المحرمات; كاللسان عن الكلام الفاحش، كالغيبة، و النميمة، و الشتم و الخصام، و الكذب و قول الزور،  كما جاء في الحديث الشريف: 
«من لم يدع قول الزور و العمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه و شرابه»
(حديث صحيح، عن أبي هريرة رضي الله عنه أخرجه الإمام البخاري رقم 1903، و أبو داود 2362، والترمذي707، وابن خزيمة 1995)

  • عدم إضاعة الوقت في شهر رمضان، فيما لا يفيد، كمشاهدة الفيديوهات المضحكة، و سماع الموسيقى بجميع أصنافها، و عدم الاستماع الى كل ما هو مذموم شرعا.
  • كف النفس، و البدن عن جميع الشهوات، و المحرمات، يجب غض البصر، و عدم التردد على الأماكن المشبوهة، أو الجلوس في الشوارع من غير فائدة.
  • لا يأكل إلا الطيبات من غير إسراف أو تبذير، حامدا  المولى عز و جل على النعم،  متوكلا عليه بالذكر و الاستغفار، و التوبة اليه لقبول صيامه.
  • المحافظة على الصلاة المفروضة، و صلاة القيام مع الجماعة في المساجد، كصلاة التراويح، كان النبي صلى الله عليه و سلم يرغب أصحابه في قيام رمضان قائلا:
« من قام رمضان إيمانا و احتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»
(حديث صحيح، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أخرجه  مسلم في صحيحه 759، وأبو داود 1371، والترمذي (808) وغيرهم)
  • الحرص على التهجّد و الدعاء في العشر الأواخر من شهر رمضان، و الاستعداد لقيام ليلة القدر، للفوز بالأجر العظيم، فمن قامها إيمانا و احتسابا, يغفر له ما تقدم من ذنبه. قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : 
« من قام ليلة القدر إيمانا و احتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»
(حديث صحيح، عن أبو هريرة رضي الله عنه، أخرجه البخاري في كتاب الإيمان: باب قيام ليلة القدر من الإيمان، بأرقام 35، 1901، 2008، 2009، ومسلم  برقم برقم 759)

و جاء في فضل قيام رمضان جماعةً, قوله عليه الصلاة و السلام :
«إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حُسب له قيام ليلة»
(حديث صحيح، عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، أخرجه أصحاب السنن، أبو داود رقم 1375، و الترمذي رقم 806، النسائي رقم 1605، ابن ماجه رقم 1327، والإمام أحمد رقم 21391، وصححه الألباني)

ُسننٌ مهجورة في صيام شهر رمضان

من واجبنا اليوم أن نجتهد في إحياء السنن المهجورة، و أن نقف جميعا في تذكير بعضنا البعض، بما أمرنا حبيبنا محمد صلى الله عليه و سلم, و بما شرّع لنا من أركان، و واجبات، و الاستماع الى دروس علماء السلف الصالح. و تدارك ما تناسيناه، و ما هجرناه خاصة ونحن مقبلين على شهر رمضان، شهر الرحمة و التوبة و الغفران. فلنسعى جاهدين الى مرضاة الرب جلا و علا، بصيامنا و قيامنا، و مستغلين لرخص الله سبحانه و تعالى، ملتزمين بحديث رسول الله صلى الله عليه و سلم:
«إن الله يحب أن تؤتى رُخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه». و في رواية كما يكره أن تؤتى معصيته.
(حديث صحيح، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أخرجه ابن حبان برقم 3568 واللفظ له، وأحمد 5866، وابن خزيمة 950 وغيرهم)

سنة تعجيل الفطر و تأخير السحور

أيها الصائمون! لطالما أهملنا هذا الحديث تطبيقا و عملا، الحديث الشريف الذي تطرقنا له في مقالنا: «لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الفطر و أخرو السّحور»
سنتان اثنتان أهملهما بعض المسلمين: تعجيل الفطر و تأخير السحور، و صلاة المغرب جماعة في المسجد بعد الفطر، حتى أصبحا مهجورتان في عصرنا اليوم، ربما عجزا، أو رغبة في الفطر في المنزل مع العائلة، دون سبب أو عذر. أو كما يبدو لهم أنه لا يمكن الاستعجال   بالفطر، و صلاة المغرب في شهر رمضان، و يكتفون بالصلاة في المنزل و الجلوس أمام مائدة رمضان.

التعجيل بالفطر مع إدراك صلاة المغرب جماعةَ، أمرهما بيّن و سهل، و هو العودة الى العمل بحديث الرسول صلى الله عليه و سلم، حيث كان يفطر على ثلاث تمرات، ثم يصلي المغرب في المسجد، ثم يعود و يأكل إن وجد في نفسه حاجة للطعام.

وقت الإفطار الصحيح في شهر رمضان

لقد حرص النبي عليه الصلاة و السلام، على هذه السنة تعليما و تطبيقا، فالملاحظ أن الإفطار المُستعجل به يُستحبُّ أن يكون على تمرات، و إن لم يتيسر، فعلى جرعات ماء، ثم التعجيل بصلاة المغرب في المسجد، ثم بعد ذلك يجلس الناس في بيوتهم و يأكلون كفايتهم.

وقت السحور الصحيح في شهر رمضان

 تأخير السحور في شهر رمضان، كما ورد في الأحاديث السابقة عكس الإفطار، فالإفطار أمرنا الرسول بتعجيله، أما السحور فيجب التأخر به، لكن ما يقع اليوم هو خلاف للسنة القولية و العملية، بحيث معظم الناس يتسحرون قبل طلوع الفجر بساعة أو تزيد. لقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم، يتأخرون بالسحور حتى يكاد أحدهم أن يسمع الأذان و هو يأكل، و الدليل في قوله عليه الصلاة و السلام: 
« إذا سمع أحدكم النداء و الإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه»
(حديث صحيح، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أخرجه أبو داود 2350، و أحمد 2/423، والحاكم 1/426، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة 1394)

و الإناء سواء كان إناء طعام أو شراب، يقول علماء السلف: أنه يحرم الطعام بالأذان لمن كان مكتفيًّا منه، فلا يجوز له أن يزداد شرابا أو أكلا و قد سبق وأن أنهى سحوره.

أما إذا سمع الأذان، و لم يأخذ حاجته من طعامه و شرابه، فلا بأس بذلك و الرسول صلى الله عليه و سلم، يبيح و يرخّص لنا ذلك قائلا:
«إذا سمع أحدكم النداء و الإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته أو يطلب حاجته منه»

و المقصود كما -فسر العلماء- أن النداء في الحديث: هو الأذان الثاني و ليس الأذان الأول الذي يسمونه بأذان الإمساك، و هذا منافي تماما للسنة، و يجب العلم أنه ليس له أصل، أن نسمي الأذان الأول بأذان الإمساك في رمضان، بل الأذان الثاني هو المقصود بأذان الإمساك و صلاة الفجر، و هذا صريح في القرآن الكريم لأن الله عز و جل يقول:
﴿فكلوا و اشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر
(سورة البقرة الآية 187)

الطعام و الشراب في وقت صلاة الفجر

يحرم الطعام و الشراب في الوقت الذي تحلّ فيه صلاة الفجر، فلا إمساك قبل ربع ساعة أو أقل أو أكثر، لأن الصلاة إنما تجب بطلوع الفجر الصادق، و الطعام و الشراب يحرم على الصائم بطلوع الفجر الصادق، كما جاء في الحديث عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه و سلم قال:
«لا يغرّنّكم أذان بلال»
(حديث صحيح، عن عن سمرة بن جندب رضي الله عنه، أخرجه مسلم في صحيحه 1094،والنسائي 2171 )

أي: الأذان الأول، فإنما يؤذن ليقوم النائم و يتسحر المتسحر، فكلوا و اشربوا، حتى يؤذن ابن أم مكتوم لقد بين الحبيب عليه الصلاة و السلام في مسألة سحور المتسحر، و رخّص لنا فيه.

لفظ اللقمة أثناء الأذان الثاني لصلاة الفجر

لا يقول قائل في شهر رمضان: إذا سمع الأذان الثاني، و اللقمة في فمه، أن تُلفظ و تُرمى أرضا، هذا ليس من السنة، بل خلاف لها، و لما جاء به النبي الصادق الأمين صلى الله عليه و سلم. و الحديث (إِذَا سَمِعَ أَحَدُكُمُ النِّدَاءَ وَالإِنَاءُ عَلَى يَدِهِ..) قال عنه الألباني رحمه الله: أنه في أشهر كتب السنة منها; سنن أبي داوود، و هو الكتاب الثالث من الكتب الستّ المشهورة، أولها صحيح البخاري، ثانيها صحيح مسلم، ثالثها سنن أبي داوود، كذلك رواه أبو عبد الله الحاكم في مستدركه، و أخرجه الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله في كتابه العظيم المعروف بمسند الإمام أحمد.

فاللهم بلغنا شهر رمضان أجمعين، بالصحة و العافية من كل سقم، وأعنا فيه على ذكرك، و شكرك و حسن عبادتك، وصيامه مقبول و قيامه مأجور يا رب العالمين. و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.

اليكم ببعض فتاوي و مسائل متفرقة في الصيام موقع الإمام ابن باز.
تعليقات



تواصل معنا

أرسل رسالتك الآن وسنقوم بالرد عليك في أقرب وقت ممكن.

أرسل استفسارك الآن وسنقوم بالرد عليك في أقرب وقت.