لزوم الدعاء في العبادة و المواظبة عليه

مسلم يلتزم بالدعاء و يواظب عليه بخشوع و أدب.
 باسم الله و الحمد لله كثيرا، و صل اللهم على محمد و على آله و صحبه أما بعد: إن لزوم الدعاء في العبادة و المواظبة عليه، أمر عظيم واجب على كل مسلم. يتقرب به العبد من معبوده جلا و علا، ولا تقتصر أهمية لزوم الدعاء على كونه وسيلة لطلب الحاجات الدنيوية فحسب، بل يمتد ليشمل وجوبه في العبادة كونه ركناً أساسياً لا تستقم بدونه الصلة بين الخالق والمخلوق. في هذا المقال نبين وجوب الدعاء في عبادتنا كمسلمين، و ثبوته و أحكامه في القرآن و السنة.

ثبوت الدعاء في القرآن و السنة

لقد قرنت الشريعة الإسلامية في نصوصها بين العبادة والدعاء، بالأدلة على وجوبه كعبادة متكاملة الأركان، به يتحرر العبد من كِبر النفس، ويفتح له أبواب الاستجابة من الله من خلال إظهار تضرعه و فقره للمعبود.

ثبوت الدعاء في القرآن

  قول الله عز و جل:
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَا﴾
(سورة البقرة:186)
و قال أيضا سبحانه و تعالى:
﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ، إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾
(غافر: 60)
التضرع لله وحده من أعظم العبادات في الدعاء، و في الآية الكريمة تثبت بأن الله قريب من عبده، ليستجيب له شريطة أن يدعو المؤمن ربه  ملتزما بالتواضع و الأدب مع خالقه.

ثبوت الدعاء في السنة

كما ثبت لزوم الدعاء في السنة النبوية بأكثر من حديث أهمها: عن النعمان بن بشير، عن النبي صلى الله عليه و سلم قال:
«إن الدعاء هو العبادة». ثم قرأ: ﴿ ادعوني أستجب لكم ﴾.
أخرجه الإمام أحمد في «المسند»، أبو داود (1479)، الترمذي (3247)، ابن ماجه (3828)، والنسائي في «السنن الكبرى»، والإمام البخاري في الأدب المفرد.
عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه و سلم قال:
«ليس شيء أكرم على الله من الدعاء»
أخرجه الإمام أحمد في مسنده، والترمذي، وابن ماجه، وصححه الألباني (في صحيح الجامع رقم 5268).
معناه: الدعاء أكثر كرامة و قدرا و أرفع درجة، فهو أحرى بالاستجابة و القبول.
عن ابي هريرة، عن النبي صلى الله عليه و سلم قال:
«ما من مؤمن ينصب وجهه إلى الله يسأل مسألة إلا أعطاه إياها، إما عجّلها له في الدنيا، أو يدخرها له في الآخرة ما لم يَعجل»
أخرجه الإمام أحمد (11133)، والحاكم (1/ 653) وصححه، وأبو يعلى (1019).

آداب الدعاء في العبادة

و هو سؤال الرب جلّ و علا وحده، يكون فيه الثناء على الله أولا بالتوجه بخشية و خشوع و قصد، و لجوء للواحد الأحد الصمد بإقبال على الله، مع إظهار العجز و الخضوع و التذلل إليه، و الاعتراف بقوته و بكبريائه و قدرته على كل شيء و الإعراض عما سواه، يعبر فيه الداعي عن توحيد الله، فلا يرجو إلا الله و لا يخاف إلا الله، و لا يعطيه ما تمنى و دعا إلاّ هو سبحانه بيده الملك و الملكوت.

عدم الاستعجال في الاستجابة

لا تستعجل في الاستجابة، و أَكثر ولا تدع الدعاء، وتيقّن بتمام اليقين أن الله يستجيب لك آجلا أم عاجلا فهو العليم الخبير، و لما كان الدعاء من العبادة، فهو واجب علينا لتمامها، و من لم يسأل الله يغضب عليه، طبقا للحديث النبوي:
 عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: 
«من لم يسأل الله غضب الله عليه ».
أخرجه الترمذي (3373)، وأحمد (2/477)، وابن ماجه (3827).

 رضا الله من دعاء عبده

رضا الله من دعائك إليه, مصداقا لقوله جلا و علا :
﴿إن الذين يستكبرون عن عبادتي﴾
أي من يتعاظمون أو يتعززون عن دعائي. فالله يحبٌّ أن يُسْألَ و أن يٌلَحَّ عليه بالدعاء، ومن لم يسأل الله فهو من المغضوبين عليهم، فقنوط العبد و تكبُّره، رذيلتان مذمومتان عند الله توجب غضبَهُ -نعوذ برضا الله من سخطه - اللهم آمين .

أنواع الدعاء في العبادة

 للدعاء ثلاثة أنواع: دعاء الثناء، و دعاء المسألة، و دعاء الإثم الذي لا يقبله الله.

دعاء الثناء

هو مدح الله والاعتراف بكماله و جلاله و تحميده و شكره، و التقرب إليه بأسمائه الحسنى، والقادر على كل شيء وهو لب العبادة.
و يشمل الثناء الاستغفار أيضا، كأن تقول الحمد لله رب العالمين، سبحانك اللهم و بحمدك، أستغفرك و أتوب اليك.و أحب الاستغفار الى الله الدعاء بسيد الاستغفار.

دعاء المسألة

هو التضرع و الطلب من الله شيئاً معيناً ينفع الداعي, سواءً في دينه، كدعاء العبد بالإعانة من الله على الذكر و الشكر و حسن العبادة والمغفرة من الذنوب، أو طلب استخارة في حاجة دنيوية، كطلب الرزق أو الذرية، أو طلب دفع الضرر كمرض أو بلية عنه.
و دعاء الثناء و المسألة متلازمان لا ينفصلان يكملان بعضهما الثناء أولا ثم السؤال و هذا من آداب و أحكام الدعاء.


دعاء الإثم

عن ابي سعيد الخُدري عن النبي صلى الله عليه و سلم قال:
«ما من مسلم يدعو، ليس بإثم و لا بقطيعة رحم إلا أعطاه إحدى ثلاث ، إما أن يعجِّل له دعوته ، و إما أن يدَّخرها له في الآخرة ، وإما أن يدفع عنه من السوء مثلها. قال: إذا يكثر، قال : الله أكبر».
حديث صحيح، أخرجه الإمام أحمد في مسنده (11133)، والبخاري في الأدب المفرد (710)، والحاكم في المستدرك (1816)، وصححه الألباني.

يجب أن لا ندعو بدعاء إثم فلا يقبله الله منا، و لا بقطيعة رحم كأن يدعو بالقطع و البعد عن أقاربه، أو بدعاء ضرر، أو تسليط مصائب لإخوتك المؤمنين، بل يستحب الدعاء بالهداية لعامة الناس، فدعاء الخير مقبول عند الله عز و جل ، فيعطي الله ثلاث لعبده ; إما التعجيل في الاستجابة، أو يدَّخرها الله له في الآخرة لأنه أعلم بما هو خيرو أنفع لعبده، فربما يكون أحوج إليها في الآخرة أفضل له من الدنيا.

(و إما أن يدفع عنه من السوء) أي: يدفع بها الله عن عبده البلاء النازل عليه، سواء كان في دينه أو دنياه، أو ما يصيبه في بدنه (قال : إذا يُكثر). على كل مسلم الاكثار من الدعاء، لأن فضل الله كثير لا حدود له، و ما يعطيه من سعة كرمه على عباده أكثر مما يعطيه مقابل الدعاء.

خلاصة قولنا: إن الدعاء عبادة عظيمة به تكتمل سائر العبادات، به يقترب العبد من ربه، ويحقق معنى التوحيد والتوكل، فاللهم اجعلنا ممن يدعونك و لا ينتهون يا رب، و ممن يدعونك فيُستجابُ لهم، و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.
أنظر أهمية الدعاء موقع موضوع.
تعليقات



تواصل معنا

أرسل رسالتك الآن وسنقوم بالرد عليك في أقرب وقت ممكن.

أرسل استفسارك الآن وسنقوم بالرد عليك في أقرب وقت.