نهي الله عن معصية الظلم الحالقة للحسنات
تأمل و تدبر معي -يرحمك الله- في الحديث القدسي الذي يُحرِّمُ، و يحذر من رذيلة الظلم:عن أبي ذرّ عن النبي صلى الله عليه و سلم : عن الله تبارك و تعالى قال:
« يا عبادي ! إني قد حرّمت الظلم على نفسي، و جعلته محرّما بينكم فلا تَظالموا. يا عبادي! إنكم الذين تُخطئون بالليل و النهار، و أنا أغفر الذنوب و لا أبالي، فاستغفروني أغفرْ لكم. يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعمُوني أطعِمْكم. يا عبادي! كلكم عارٍ إلا من كسَوته، فاستكسوني اكْسكُم. يا عبادي! لو أن أولكم و آخركم، وإنسَكم و جِنًكم، كانوا على أتقى قلب عبدٍ منكم، لم يزد ذلك في ملكي شيئا، و لو كانوا على أفجر قلب رجل، لم ينقص ذلك من ملكي شيئا، و لو اجتمعوا في صعيد واحد، فسَألوني فأعطيت كلَّ انسان منهم ما سأل، لم ينقص ذلك من ملكي شيئا، إلا كما ينقص البحر أن يُغمسَ فيه المِخيَطُ غمسة و احدة. يا عبادي! إنما هي أعمالكم أجعلها عليكم، فمن وجد خيرا، فليَحمدِ الله، و من وجد غير ذلك فلا يلوم إلا نفسَه»
(صحيح مسلم حديث 24 في الأربعين النووية)
كان أبو إدريس، إذا حدّث بهذا الحديث، جثى على ركبتيه. حديث عظيم! تخشع له القلوب و يهتز له الوجدان. إنها معصية الظلم، تظالُم العباد فيما بينهم أي يظلمون بعضهم بالانتهاك، و التعدي على حقوقهم. لقد نهانا الله من السقوط في رذائل الظلم التي تلقي في جهنم، الظلم الذي حرّمه الله على نفسه في قوله (إني قد حرّمت الظلم على نفسي، و جعلته محرّما بينكم فلا تظالموا). حرامٌ على كل عبد أن يَظلمَ غيره.
أنواع الظلم
للظلم نوعان الأول: ظلم النفس، أي ظلم العبد لنفسه، و النوع الثاني ظلم العبد لغيره من الناس، و هو الأخطر.
ظلم النفس
و أعظمه الشّرك و العياذ بالله مصدقا لقول الله عز و جل:
﴿ إنّ الشّرك لظلمٌ عظيمٌ ﴾
( سورة لقمان الآية 13)
و من سورة البقرة
و المشرك هو الظالم لنفسه بموبقة الشرك التي لا يغفرها الله عز و جل، ثم تليها المعاصي و الذنوب من كبائر و صغائر، قال الله تعالى:
﴿و الكافرون هم الظالمون﴾
(سورة البقرة الآية 254)
ظلم العبد لغيره
وهو موضوعنا في هذا المقال، رذيلة الظلم في حق العباد التي تؤدّي إلى الإفلاس و إضاعة الحسنات، و لهذا سميت بالمعصية الحالقة لأنها تحلق الحسنات. استنادا لما جاء في حديث صحيح البخاري و مسلم:
عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه و سلم قال :
« إن الله ليُملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفلته». ثم قرأ:﴿و كذلك أَخذُ ربِّكَ إذا أخذَ القرى و هي ظالمة إن أخذَهُ أليمٌ شديدٌ﴾ صدق الله العظيم
( سورة هود الآية 102)
« إن الله ليُملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفلته». ثم قرأ:﴿و كذلك أَخذُ ربِّكَ إذا أخذَ القرى و هي ظالمة إن أخذَهُ أليمٌ شديدٌ﴾ صدق الله العظيم
( سورة هود الآية 102)
و معنى الحديث الشريف: أن الله يمهل العبد الظالم رحمة منه، و استدراجا له، حتى إذا أخذه، فسيأخذه بقوة لا خلاص له منها.
رد المظالم للمظلوم
إن الله سبحانه و تعالى بالمرصاد لكل ظالم افترى بالظلم على عباده، فعلينا الحذر من عقاب الله، والتوجه بالنية الخالصة لردّ المظالم لأصحابها و التسامح فيما بيننا، للنجاة من عاقبة الظلم، كما جاء الحديث النبوي:
عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه و سلم قال:
« من كانت عنده مظلمة لأخيه، فليتحَلَّلْهُ منها، فإنه ليس ثَمَّ دينارٌ و لا درهمٌ من قبل أن يُؤخذَ لأخيه من حسناته، فإن لم يكن له حسناتٌ، اُخذ من سيّئات أخيه فطُرحَت عليه»
(صحيح البخاري في كتاب الرقاق، باب القصاص يوم القيامة)
الحديث يحث الظالم بالسعي، والاعتذار و المسامحة لمن ظلمه في الدنيا، سواء في مال، أو عرض، أو دم، قبل الآخرة عن طريق تعويضه بما يرضى قبل يوم القيامة، يوم لا ينفع فيه مال و لا جاه، و يصبح القصاص بالحسنات و السيئات.المظلوم يُقتصُّ له من الظالم
العبد المظلوم يأخذ من حسنات الظالم، و إذا انتهت حسناته، أو لم يكن له منها نصيب، أخذَ الظالمُ من سيئات المظلوم.
و في الآية (فلا تظالموا) : يعني لا يظلم بعضكم بعضا، والظلم من القدرة، و الله عز و جل قد حرّم الظلم على نفسه. وينبغي للعبد خشية الله و لا يتطاول بظلمه على أخيه، و ألّا يغترّ بقوته و قدرته، و يرتكب المعصية بتوريط نفسه في معصية الظلم.
و في الآية (فلا تظالموا) : يعني لا يظلم بعضكم بعضا، والظلم من القدرة، و الله عز و جل قد حرّم الظلم على نفسه. وينبغي للعبد خشية الله و لا يتطاول بظلمه على أخيه، و ألّا يغترّ بقوته و قدرته، و يرتكب المعصية بتوريط نفسه في معصية الظلم.
و كان الله ينبهنا على عزّته و وحدانيته في عبوديته قائلا في محكم تنزيله: (يا عبادي! إنكم الذين تُخطئون بالليل و النهار، و أنا أغفر الذنوب و لا أبالي، فاستغفروني أغفرْ لكم)
فهو وحده القادر على أن يغفر الذنوب لكل خاطئ بالليل و النهار لمن تاب، و واظب على الاستغفار، و لو كانت ذنوبه ما كانت، فإن الله لا يتعاظمه ذنب، أن يغفره لعبده التائب.
أما حق المظلوم فالتوبة وحدها لا تُسقِطُه، لا بصدقة ولا بحجة ، و لا بنوافل و لا أي عبادات أخرى، بل ستبقى ناقصة إلى غاية ردّ مظلَمَته, و تعويضه في الدنيا و مسامحته قبل الآخرة.
محاسبة الله على خطيئة الظلم بين عباده
(يا عبادي! إنما هي أعمالكم أجعلها عليكم، فمن وجد خيرا فليَحمدِ الله، و من وجد غير ذلك فلا يلوم إلا نفسَه)
يحصي الله جميع أعمال عباده، و من وفقه الله الى العمل الصالح، فليحمد الله و ذلك من توفيق الله، و من وجد غير ذلك من عمل غير صالح، فاللّوم على نفسه و هو يتحمل أوزارها.
سؤال العبد لربه
كيف للعبد الضعيف أن يكون ظالما؟ و هو السائل الخاضع في سؤاله لربه عز و جل، أن يطعمه إذا جاع و يرزقه إذا شعر بضيق في ماله، و يكسوه لستر عورته.
والحديث القدسي الذي بين أيدينا، فيه عبرة لمن أراد أن يعتبر بتعجيل التوبة الى الله، و العزم و التوجه بسرعة لرد المظالم لأصحابها قبل فوات الأوان.( يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته, فاستطعمُوني أطعِمْكم).
كلنا نحتاج إلى الطعام، و ليس باستطاعتنا الغنى عنه و نحن جائعون، إلا إذا رزقنا الله من طعامه، فواجب علينا أن ندعو الله دون سواه لطلب الرزق من الطعام و الشراب.
(يا عبادي! كلكم عارٍ إلا من كسَوته, فاستكسوني اكْسكُم)
كل إنسان يحتاج الى اللباس و الكسوة، لستر عورته و ليدعو الله ليستجيب له. إن عباد الله لا يملكون شيئا في تسيير أمورهم الدنيوية، إلا ما منّ الله عليهم من فضله و رزقه، فهو سبحانه هو الرزّاق، و الله يحب الدعاء و يحب من عبده أن يسأله في دينه و دنياه، يسأله المغفرة، فيغفر له و يسأله الطعام و الشراب و اللباس، فيعطيه.
كما كان السلف يسألون الله في صلاتهم كل شيء، كما قالت عائشة رضي الله عنها: (سلوا الله كل شيء حتى الشسع، فإن الله إن لم ييسّره ، لم يتيسّر). و الشسع : يعني سير النعل الذي يربط به.
الله غنيٌّ عن عباده
(يا عبادي! لو أن أولكم و آخركم, و إنسَكم و جِنًكم, كانوا على أتقى قلب عبدٍ منكم, لم يزد ذلك في ملكي شيئا، و لو كانوا على أفجر قلب رجل, لم ينقص ذلك من ملكي شيئا).
هو الله الملك المنزّه، و تقوى عباده من الجن و الإنس لا تزيد في ملكه شيئا، و معصية العباد لا تنقص من ملكه شيئا -فسبحان الله عما يشركون-. فإن ملكه متعلق بنفسه، و هو خالق كل شيء، و برّ الأبرار من عباده و فجورهم لا يزيد و لا ينقص من ملكه الذي هو بمشيئته و قدرته.
(و لو اجتمعوا في صعيد واحد)
و لو اجتمعوا في مقام واحد لا يزيدون، و لا ينقصون من ملكه شيئا.
(فسَألوني فأعطيت كلَّ انسان منهم ما سأل, لم ينقص ذلك من ملكي شيئا, إلا كما ينقص البحر أن يُغمسَ فيه المِخيَطُ غمسة و احدة)
أعطى الله كل إنسان ما سأل فضلا و إكراما منه على عباده، ولا ينقص من ملكه شيئا، إلا كما ينقص البحر أن يغمس في المخيط غمسة واحدة، و المخيط : هو الإبرة عندما تغمس في البحر لا تنقص من البحر شيئا، وهو الغني و الكمالُ له وحده. اللهم اغفر لنا و تجاوز عن سيئاتنا و لا تجعلنا يا ربي من عبادك الظالمين اللهم آمين و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.
أنظر عاقبة الظلم موقع الشيخ محمد صالح المنجد حفظه الله.
