باسم الله و الحمد لله، و الصلاة و السلام على الحبيب المصطفى، أما بعد: آداب الذكر و شروطه من أسمى الفضائل الأخلاقية، التي يتصف بها كل مسلم متَّصلٍ بربه جل و علا، و الذاكرون لله عز و جل يختلفون في درجات الآداب و الخشوع، و يتباينون في مدى تسكين الجوارح و حضور القلب، و الإقبال على الله، فكيف نصل إلى أسمى الدرجات بذكر المعبود سبحانه و تعالى؟!
الاقتداء بالنبي في آداب الذكر
ينبغي علينا أولا و قبل كل شيء في آداب الذكر و شروطه: الاقتداء بخير الهدي. هدي النبي صلى الله عليه و سلم، و ما جاء به العلماء من السلف الصالح من تفسير و شرح. فجلُّ ما نحتاج إليه عند العزم على الذكر، هو التخلص من كل ما يشغل البال في الباطن و الظاهر، و ترويد النفس و الجوارح، على السكون و وقف الحركات الشَّاغلة، و محاولة قطع الأفكار المشوشة، و ترك التفكير في الأمور الدنيوية، و إشعار النفس بعظمة ما نعزم عليه من ذكر الله جل و علا، بحضور القلب في الدعاء، و بنية و إخلاص و بالتقيّد بما جاء في السنة النبوية.
اختيار المكان و الزمان المناسبين
من آداب و شروط الذكر: انتقاء المكان و الزمان الملائمين حسب ما ورد في سنة النبي عليه الصلاة و السلام.
اختيار مكان الذكر
انتقاء المكان البعيد عن الضوضاء، و المجالس التي يدور فيها تبادل الكلام الذي يجلب السمع إليه، لأنه يفقدك التركيز أثناء الذكر، و تجنب المكان الجالب و الجذَّاب للبصر، كالصور المزخرفة.
فعن أنس قال: كان قرام لعائشة سترت به جانب بيتها فقال النبي صلى الله عليه و سلم :
«أَمِيطِي عَنَّا قِرَامَكِ هَذَا، فَإِنَّهُ لاَ تَزَالُ تَصَاوِيرُهُ تَعْرِضُ فِي صَلاَتِي»
(حديث صحيح أخرجه الإمام البخاري رقم 374 في كتاب اللباس، باب :كراهة الصلاة في التصاوير، ورواه أيضاً في كتاب الصلاة)
(حديث صحيح أخرجه الإمام البخاري رقم 374 في كتاب اللباس، باب :كراهة الصلاة في التصاوير، ورواه أيضاً في كتاب الصلاة)
و معنى الحديث: أن الرسول صلى الله عليه و سلم أمر عائشة بإزالة القرام، و القرام هو: عبارة عن ستر رقيق من الصوف به ألوان و نقوش، مما يدل على أن الأشياء البارزة و الصور المزخرفة، لها تأثير على القلوب الطاهرة و النفوس الزكية التي ترعى الخشوع و الانضباط في الصلاة و الذكر.
اختيار الزمان للذكر
و اختيار الوقت المناسب من آداب الذكر، يجب أن يتصف بالسكون الطبيعي، بعيد عن الضوضاء و الحركة. من أفضل الأوقات لذكر الله، في ثلث الليل الأخير، ففيه الخير و البركة, كما أنه وقت شريف، ينزل فيه الرب سبحانه و تعالى ليستجيب لمن دعاه، و يغفر لمن يستغفره من عباده، وفيه يزداد القلب خشوعا.
خشوع البدن و الجوارح في الذكر
تأسيا بصحابة رسول الله صلى الله عليه و سلم، كما وصفوهم العلماء، كانوا إذا سمعوا القرآن، فكأن على رؤوسهم الطير! فاعلم -أخي الذاكر لله جل علاه- أنه من آداب الذكر، تفريغ الباطن و الظاهر للبدن، و تهيئة النفس و حواسها، بتسكين الجوارح ، والحضور بقلب سليم خاشع لله سبحانه و تعالى لتنال ثمرة الذكر و استجابة الدعاء.
حضور القلب في الذكر
حضور القلب, شرط مهم في آداب الذكر، و في كل العبادات، لأن الله ينظر إلى قلوبنا.يقول الله عز و جل :
﴿و اذكر ربك في نفسك تضرعا و خيفة و دون الجهر من القول بالغدوّ و الآصال و لا تكن من الغافلين﴾ صدق الله العظيم.
(الآية رقم 205 من سورة الأعراف )
يأمرنا ربنا عز و جل بذكره تضرعا، و خشية منه في النهار و المساء، و بدون الجهر في ذلك لإظهار الأدب و الخشوع مع الله. و عدم الغفلة و الذكر باللسان، و حضور قلب مطمئنٍّ غير لاهٍ.
(الآية رقم 205 من سورة الأعراف )
يأمرنا ربنا عز و جل بذكره تضرعا، و خشية منه في النهار و المساء، و بدون الجهر في ذلك لإظهار الأدب و الخشوع مع الله. و عدم الغفلة و الذكر باللسان، و حضور قلب مطمئنٍّ غير لاهٍ.
كما قال خير الأنام صلى الله عليه و سلم:
«اعلموا أن الله لا يقبل الدعاء من قلب لاه»
(حديث صحيح، أخرجه الترمذي 3479، والحاكم 1/670، وحسنه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (2/143) وصحيح الجامع)
فتحصل النتيجة المرجوة: و هي الفوز بطمأنينة القلب، و تحقيق الخشوع للمَذكُور المعبود جلّ و علا, حيث قال:
﴿الذين آمنوا و تطمئنُّ قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئنُّ القلوب﴾ صدق الله العظيم.
(سورة الرعد الآية 28)
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :
و اعلم -يرحمك الله- أن حضور القلب يلزمه اتخاذ الأسباب في ذلك، كالتمهل و عدم العجلة، و عدم الجهر في الذكر، و البحث في صميم القلب عن حلاوة الذكر، وملازمة الاجتماع مع الصالحين من أهل الذكر في مجالسهم و الاستفادة من تجاربهم.
صفاء القلب و إشغاله بمحبة الله
من آداب الذكر و شروطه; العلم باليقين بأن الله يعلم ما في قلوبنا، و هو ينظر إليها، و الله لا يسمع من عبد و قلبه مشغول بغيره، أو من يثني على الله و قلبه يثني على سواه، أو يتعوّذ من عذابه و قلبه يخاف من عباده. و لهذا علينا أن نُحب الله عز و جل، وأن تستحي منه سبحانه و تعالى, وأن نتقرب إليه بالنوافل لنيل محبته.
« إن الله تعالى قال: من عادى لي وليا، فقد آذنته في الحرب ، و ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب الي مما افترضت عليه، و ما يزال عبدي يتقرب الي بالنوافل حتى أحبّه، فإذا أحببته، كنت سمعه الذي يسمع به، و بصره الذي يبصر به، و يده التي يبطش بها، و رجله التي يمشي بها، و إن سألني أعطيته، و لئِن استعاذني لأعيذنّه»
(حديث قدسي صحيح، رواه الإمام البخاري في صحيحه رقم 6502)
فلا تتخذ وليّا من دون الله، فهذا منكر كبير، يؤدي الى الشرك. و إعلان الحرب من الله عز و جل، لا نعبد و لا نذكر إلا الله جل في علاه، بالاجتناب عما نهانا، و التقرب اليه بم شرع لنا من فرائض، و الحديث القدسي بين لمن أردا محبة الله وحده لا شريك له، بالمواظبة على الرواتب، التي تأتي بعد صلوات الفريضة، من حافظ عليها ينال الدرجة الرفيعة و توجب له محبة الخالق.
و دوام الذكر باللسان دون القلب، يأتي بعده حضور القلب لا محالة، و الذكر بالقلب ينتقل حتما إلى اللسان. فيكتمل الذكر و أفضله ما واطأ فيه القلب اللسان كما قال علماء السلف كابن القيم رحمه الله.
و دوام الذكر باللسان دون القلب، يأتي بعده حضور القلب لا محالة، و الذكر بالقلب ينتقل حتما إلى اللسان. فيكتمل الذكر و أفضله ما واطأ فيه القلب اللسان كما قال علماء السلف كابن القيم رحمه الله.
الشعور بعظمة العزم على الذكر
أن يشعر الذاكر في سيرورة نفسه، أنه يُقدم على عمل عظيم و جليل; ألا و هو ذكر الله سبحانه و تعالى مصداقا لقوله:﴿ و لذكرُ الله أكبر﴾ من سورة العنكبوت الآية 45.
ذكر الله أكبر، من كل عبادة، شرفا و منزلة و قدرا، من أي تصور نتصوره.
التجويد من آداب الذكر
أن يُذكر الله بصوت حسن، و القراءة بصوت حزين. تخشع له الأنفس، و يخشع له من وقع على سمعه، و الرسول صلى الله عليه و سلم كان يحب أن يسمع القرآن من غيره. و هو عبد الله بن مسعود كان صاحب صوت شجيّ، و هو الذي أبكى الرسول صلى الله عليه و سلم حين قرأ عليه سورة النساء، و مدحه النبي بقوله:« من أحب أن يقرأ القرآن غضّا كم أنزله، فليقرأه على قراءة ابن أمّ عبد»
( أخرجه الإمام أحمد في مسنده رقم 35. وابن ماجه في سننه رقم 138.وابن حبان في صحيحه رقم 7066)
الإطالة في مجلس الذكر
الإطالة في الذكر قدر المستطاع تعظيما و إجلالا لذكر الله عز و جل، والتقرب اليه بالنوافل كما ذكرنا، و ملازمة الدعاء لأنك تجلس مع الله. و بالتالي تزداد قربا إليه، و مجالس الناس ليست كمجالس المذكور المعبود سبحانه و تعالى.شروط الانتهاء من مجلس الذكر
بعد الانتهاء من الذكر و مغادرة المجلس، يجب مراعاة النفس الأمّارة بالسوء، وصيانتها من ارتكاب المعاصي، و الابتعاد عن إضاعة الوقت في اللهو، و استحضار نيّة التقوى بالمباح على ذكر الله و طاعته، ريثما يحين وقت مجلسه، للفوز بثمرة الذكر و الثواب و نيل مرضاة الله.
فوائد الذكر
يقول الله عز و جل :﴿ فأذكروني أذكركُم﴾ سورة البقرة الآية 152.
فوائد الذكر عظيمة لا تحصى أفضلها: أن يذكرنا الله عنده، و في أحسن المجالس عنده، التي هي أرقى و أعلى قدرا من مجالسنا الدنيوية التي نذكره نحن فيها، يذكرنا الله بتنزيل رحمته علينا، و تنفيس كرب الدنيا عنا، والمغفرة من الذنوب و الأجر العظيم.
من أقوى فوائد الذكر التي نختم بها مقالنا، إذا وصلتها أخي الذاكر لله فلن تشقى أبدا، و أبشر بالسعادة في الدارين، ألا وهي: منزلة عباد الله الصالحين فاحرص على أن ترقى إليها بذكر الله العظيم.
فاللهم أعنا على ذكرك و شكرك و حسن عبادتك، و اجعلنا من زمرة عبادك الصالحين، و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.
