باسم الله الرحمن الرحيم، و الصلاة و السلام على خير خلق الله و بعد: دعاء حفظ الجوارح من الوقوع في المعاصي، المقصود بها حفظ حواس البدن التي يكتسب بها الإنسان وظائفه، كاليدين باللمس، و اللسان بالكلام الفاحش، و العينين و السمع و البصر من الوقوع في المنكرات، و تسخيرها في أعمال الخير و العبادة.
دعاء النبي لحفظ الجوارح من المنكرات
عن شكَل بن حُمَيد قال: قلت: يا رسول الله ! علمني دعاء أنتفعُ به، قال:«قل: اللهمَّ عافني من شرِّ سمعي و بصري، و لساني و قلبي، و شرّ مَنيِّي» قال وكيع: منيِّي يعني الزنا و الفجور.
(حديث صحيح، أخرجه أبو داود 1551، والترمذي 3492، والنسائي 5444، وأحمد، وصححه الألباني. و وكيع هو: بن الجراح أحد رواة الحديث، الذي فسر "منيّي" بالزنا والفجور)
لقد خصّ نبينا و شفيعنا صلى الله عليه و سلم في دعاء حفظ الجوارح: السمع، و البصر، و اللسان، و القلب، بالحفظ و السلامة من الزيغ، لأنها مناط الشهوة و مثار اللّذة. و لا بد من السيطرة عليها لكي لا نقع في شر المنكرات، وانصياعها لأوامر الله عز و جل الذي خلقها فينا لننعم بها في حياتنا الحسية، و في حدود ما شرع لنا الله في استعمال حواسنا.
حفظ السمع و البصر
(اللهم عافيني من شر سمعي و بصري): طلب المعافاة من الله من شر المنكرات التي يقع سمعها على الأذن، و يقع نظرها على العين، أن تعافيني يا ربي، من سمع المعاصي، و النظر إليها، كي لا أسمع ما يغضبك كالشرك بجميع أنواعه، و الكفر و الغيبة و النميمة، و الزور و البهتان، و المعازف و غيرها من المحرَّمات.و المعافاة في البصر، أن لا أنظر الى ما هو محرّم من محارم الله، بغض البصر, و كذلك النظر بوجه الاحتقار الى عباد الله، (بحسب امرء من الشر أن يحتقر أخاه المسلم ).
حفظ اللسان و القلب
حفظ اللسان و القلب، أساسيان في دعاء حفظ الجوارح، و طلب المعافاة من شر اللسان، فلا أنطق الا خيرا، و لا أقول إلا حقا، و الدعاء لسلامة و صلاح القلب، و انشغاله بحب الله عز و جل و نقائه من الضغائن; كالحقد و الحسد ، طبقا لما جاء في الحديث:«ألا و إن في الجسد مضغة، إذا صلُحت صلُح الجسد كلّه، و إذا فسدت فسد الجسد كلّه، ألا و هيّ القلب»
(حديث صحيح، عن النعمان بن بشير رضي الله عنه، أخرجه البخاري رقم 52 في كتاب الإيمان، ومسلم رقم 1599في كتاب المساقاة)
(و شرّ منيِّي):العافية من أن يقع في غير محله، أو بمعنى أوضح، الوقوع في معصية الزنا-والعياذ بالله- التي يكون سببها، النظر و اللمس، و كل الأسباب الغير المشروعة التي تستجلبُ الاستمناء.
إن السمع و البصر وكل الحواس من نعم خلق الله, و ما خُلقت إلا لطاعته و ذكره, فواجب علينا الالتجاء و الاقبال بقلب سليم الى الله عز و جل; سائلين منه العفو و العافية في سمعنا و أبصارنا، و صرفنا عن شر المنكرات. خاصة ما يضر المسلمين، كف الأذى عنهم، و الابتعاد عن ظلم الآخرين، و ان لا نغتب بعضنا البعض، و مسك الألسنة الضارة من الكلام القبيح و الفاحش، و الابتعاد عن الغيبة و النميمة.
و بالتالي, فدعاء صون الجوارح يكون بكف اللسان عن الكلام الضار للمسلمين، إذا تكلم المسلم يتكلم بما هو خير، و ألا يتجسس على إخوانه، والابتعاد عن سماع مزامير الشيطان كالغناء الفاحش، و يغض من بصره بعدم النظر الى محارم الله.
أمر الله بصيانة الجوارح
لقد حمل الله عباده المسؤولية كاملة، عن صيانة وظائف أعضاء الجسد و تسخيرها في الطاعات، كحفظ الفرج من الفواحش و تسخيره في ما احل الله، ولجم اللسان عن الكذب و النميمة، و الجهر بأعراض الناس و تطويعه بالذكر، وقول الخير، مصداقا لما جاء في قوله: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾
(سورة الإسراء الآية:36)
فكل إنسان عاقل ملزم بغض البصر عن ما حرم الله، و عدم النظرلعورات الناس، لا سيما الكلام بقذف المحصنات من النساء، تزكيةً و صوناً للنفس، و وأدا للفتن و تطهيرا للمجتمع من رذيلة الفاحشة. قال الله تعالى:
﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾
(سورة النورالآية : 30)
دعاء السلامة و الصحة للجوارح
عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه و سلم قال :
« اللهم متِّعني بسمعي و بصري، و اجعلهما الوارث مني»
(حديث صحيح، أخرجه الترمذي 3604، والحاكم 1914، والبخاري في: الأدب المفرد 650، والطبراني،و حسنه الألباني)
ندعوا الله لحفظ جوارحنا بالمنفعة بالسمع و البصر و الصحة و السلامة لكليهما عند الهرم إلى أن نموت، ودوام الصحة و العافية من جميع الأسقام حتى نسخرهما في فعل الخيرات من أجل رضا الله. اللهم أمين و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.
